
شهدت خطبتا الجمعة في الحرمين الشريفين تأكيدًا على أهمية تقوى الله عز وجل، وضرورة غض البصر عن المحرمات، مع التحذير من مخاطر إطلاق العنان للعين في زمن كثرت فيه الفتن. كما تطرقت الخطب إلى أهمية التراحم والإحسان، خاصة في مواجهة حر الصيف الشديد.
خطبة المسجد الحرام: تقوى الله وغض البصر مفتاح النجاة
أوصى فضيلة الشيخ الدكتور ياسر بن راشد الدوسري، إمام وخطيب المسجد الحرام، المصلين بتقوى الله، مشددًا على أنها أساس الفوز والنجاة في الدنيا والآخرة. وأكد أن نعمة البصر من أجل النعم التي تستوجب الشكر باستعمالها في طاعة الله، محذرًا من مغبة إطلاق النظر إلى المحرمات لما له من آثار سلبية على القلب والدين والسلوك.
نعمة البصر وشكرها
- البصر وسيلة للحق: أوضح فضيلته أن الله تعالى منّ على عباده بنعمة البصر، وجعلها وسيلة لمعرفة الحق والاهتداء إليه.
- شكر النعمة: بيّن أن شكر هذه النعمة يكون بصيانتها عن كل ما حرم الله، واستعمالها فيما يعود بالنفع على الفرد والمجتمع، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
غض البصر: تزكية للقلب وحفظ للجوارح
- أجلّ العبادات: أشار الشيخ الدوسري إلى أن غض البصر يُعد من أجل العبادات التي تُزكّي القلب وتحفظ الجوارح من الوقوع في المعاصي.
- تحريم الوسائل المفضية للفتن: أكد أن إطلاق النظر إلى المحرمات هو أحد أعظم أبواب الفتنة، لأنه يورث تعلق القلب بالشهوات ويوقع صاحبه في الغفلة. وأوضح أن الشريعة الإسلامية لم تحرم الفواحش فحسب، بل حرمت الوسائل التي قد تؤدي إليها، لذلك جاء الأمر الإلهي بغض الأبصار قبل حفظ الفروج، كما في قوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾، وتلاها قوله سبحانه: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾.
مخاطر النظرة المحرمة ووسائل التقنية
نبّه الشيخ الدوسري إلى أن النظرة المحرمة بمثابة سهم مسموم يفسد القلب ويطفئ نور الإيمان ويجعل الإنسان أسيرًا للشهوة. وحذر من مخاطر انتشار وسائل التقنية ومواقع التواصل الاجتماعي وما تحمله من صور ومشاهد تستوجب من المسلم المزيد من مراقبة الله وحفظ البصر والابتعاد عن كل ما يثير الفتن أو يقود إلى المعصية.
فوائد غض البصر وآثاره الإيجابية
أكد فضيلته أن غض البصر يُورث راحة القلب، وسلامة النفس، وحلاوة الإيمان، ويعين على الطاعة، ويقوي البصيرة، ويمنح صاحبه نورًا في القلب وحكمة في الرأي. في المقابل، يؤدي إطلاق البصر إلى تشتيت الفكر، وضعف الإرادة، وتعليق القلب بما لا ينفع. وذكّر بأن ما عند الله خير وأبقى، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾.
سبل الإعانة على غض البصر
في الخطبة الثانية، دعا إمام المسجد الحرام إلى الاستعانة بتقوى الله، والخوف منه، والإكثار من الدعاء، ومجاهدة النفس. وبيّن أن من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، وأن من الوسائل الفعالة في غض البصر الابتعاد عن مواطن الشبهات والفتن ومجالس السوء. وشدد على أن غض البصر ليس حرمانًا، بل هو صيانة للدين وحفظ للكرامة، وحث على مراقبة الله في السر والعلن، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾.
خطبة المسجد النبوي: تذكر الآخرة والتراحم في شدة الحر
من جانبه، أوصى فضيلة الشيخ صلاح البدير، إمام وخطيب المسجد النبوي، المسلمين بتقوى الله، مُذكرًا بيوم القيامة وشدة الحساب، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
تذكر نار جهنم في حر الصيف
بيّن فضيلته أن شدة حر الصيف تذكر بنار جهنم التي اشتد حرها وبعد قعرها، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾، والحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه: (اشتَكَتِ النَّارُ إلى رَبِّها، فقالت: يا رَبِّ، أكَلَ بَعضي بَعضًا، فأذِنَ لَها بنَفَسَينِ: نَفَسٍ في الشِّتاءِ، ونَفَسٍ في الصَّيفِ، فهو أشَدُّ ما تَجِدونَ مِنَ الحَرِّ، وأشَدُّ ما تَجِدونَ مِنَ الزَّمهَريرِ). وأكد أن على المسلم أن يتقي النار ويتجنبها بتقوى الله وترك المعاصي والرجوع إلى الله تعالى، وأن يكون يقظًا لما بين يديه ومستعدًا لما بعد ذلك، فالفائز من انتفع بالتذكرة واستعد للدار الآخرة.
فضل سقي الماء والتراحم
في الخطبة الثانية، بيّن إمام المسجد النبوي استحباب سقي الماء البارد للناس في شدة الحر، محذرًا من التراخي عن سقي الظمآن، ومذكّرًا بالأجر العظيم في ذلك. واستشهد بالحديث القدسي الذي يذكر فيه الله عز وجل يوم القيامة: (يا ابن آدم مرضت فلم تعدني … يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني … يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني …). وختم فضيلته بحث المسلمين على التراحم فيما بينهم في هذا الجو الحار، وتفقد الفقراء والمساكين، وإعانة الضعفاء وأولادهم بالصدقات والمعونات والإحسان، وتوزيع الماء في الطرقات والمساجد والأسواق، وحفر الآبار والبرادات العامة، وجعلها سبيلًا. وذكر بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ حَفَرَ مَاءً لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ كَبِدٌ حَرِيٌّ مِنْ جِنٍّ وَلَا إِنْسٍ وَلَا طَائِرٍ ولا سبع إِلَّا آجَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ بَنَى مَسْجِدًا كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ أَوْ أَصْغَرَ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ).













Leave a Reply