رسالة من القلب.. لا تجعل الخوف يقودك في طريق الرقية

إعداد: الشيخ أحمد مدكور
باحث في علوم الرقية الشرعية والعقيدة

أخي الكريم.. أختي الكريمة،

عندما يمر الإنسان بمرض أو ضيق أو مشكلة لا يجد لها تفسيرًا، فمن الطبيعي أن يبحث عن باب للراحة والطمأنينة، وأن يلجأ إلى الله سبحانه وتعالى طالبًا منه الفرج والشفاء.

ومن أجمل ما يلجأ إليه المسلم في هذه الأوقات القرآن الكريم، والدعاء، والأذكار، والرقية الشرعية.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول بحثنا عن الطمأنينة إلى رحلة من الخوف.

نذهب بحثًا عن الراحة، فنعود ونحن نخشى كل شيء حولنا.. هذا حسدني، وذاك ربما أصابني بالعين، وفلان قد يكون فعل لي شيئًا، وكل مشكلة أصبحت سحرًا، وكل تعب أصبح مسًّا!

وهنا أقول لك بكل محبة:

اهدأ.. وعد إلى الأصل.

القرآن جاء ليطمئن قلبك

الرقية الشرعية ليست عالمًا مخيفًا، وليست مجموعة من الأسرار والطقوس التي لا يعرفها إلا أشخاص بعينهم.

الرقية في أصلها قرآن ودعاء وذكر ويقين بالله سبحانه وتعالى.

والهدف منها ليس أن تخرج وأنت أكثر خوفًا، وإنما أن يزداد قلبك تعلقًا بالله وثقة به.

فإذا كانت تجربتك مع الرقية تجعلك تخاف من كل شخص حولك، أو تشك في أقرب الناس إليك، أو تعيش يومك تراقب كل علامة وكل حلم وكل إحساس، فهنا نحتاج إلى التوقف ومراجعة ما يحدث.

فالقرآن شفاء ورحمة، وليس بابًا للرعب.

لا تجعل كل مشكلة في حياتك سحرًا

نعم، نحن نؤمن بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا ننكر العين أو الحسد أو السحر.

لكن في الوقت نفسه، ليس معنى وجود هذه الأمور أن نجعلها تفسيرًا لكل شيء يحدث لنا.

مرضت؟ ربما تحتاج إلى طبيب.

تشعر بضيق مستمر؟ ابحث عن أسبابه وخذ بالأسباب المناسبة.

حدثت مشكلة بينك وبين زوجتك؟ ربما تحتاجان إلى الحوار والتفاهم.

تعطلت بعض أمور حياتك؟ هذه طبيعة الدنيا، وليس كل تأخير أو مشكلة دليلًا على أن شخصًا قد أصابك بسحر أو عين.

الإيمان بالغيب لا يعني أن نعيش أسرى للخوف منه.

لا تسمح لأحد أن يزرع الشك في قلبك

من أكثر الأمور التي تؤلمني أن أرى إنسانًا كانت علاقته بأسرته طيبة، ثم دخل الشك إلى قلبه بسبب كلمة قيلت له بلا دليل:

“الذي فعل لك هذا شخص قريب منك.”

ثم تبدأ رحلة البحث:

هل هي أختي؟
هل هو أخي؟
هل هو صديقي؟
هل هو أحد أقاربي؟

وفجأة تتحول المحبة إلى شك، والرحم إلى خصومة، والبيت إلى ساحة من الاتهامات.

وهنا يجب أن نسأل:

أين الدليل؟

لا يجوز أن نبني اتهامات خطيرة تمس أعراض الناس وعلاقاتهم على مجرد ظنون أو ادعاءات.

الراقي لا يملك الشفاء

وأريدك أن تتذكر هذه الحقيقة دائمًا:

الشفاء بيد الله وحده.

قد يكون الراقي سببًا، كما يكون الطبيب سببًا والدواء سببًا، لكن لا تجعل قلبك يتعلق بالسبب وينسى مسبب الأسباب.

لا تقل: “لن أشفى إلا عند فلان.”

ولا تعتقد أن شخصًا بعينه يملك لك نفعًا أو ضرًا من ذاته.

اقرأ القرآن، وحافظ على أذكارك، وادعُ ربك، وخذ بالأسباب المشروعة، واجعل قلبك متعلقًا بالله سبحانه وتعالى.

الراقي الصادق لا يريدك متعلقًا به، وإنما يريد أن يدلك على الطريق الذي يجعلك أقرب إلى ربك.

ولا تترك طبيبك بسبب الرقية

الرقية والعلاج الطبي ليسا خصمين.

يمكنك أن تقرأ القرآن وتدعو الله، وفي الوقت نفسه تذهب إلى الطبيب وتأخذ علاجك.

فالذهاب إلى الطبيب من الأخذ بالأسباب، والتوكل على الله لا يعني أن نهمل الأسباب التي جعلها الله لنا في هذه الحياة.

لذلك لا تسمح لأحد أن يخبرك بأن كل ألم تشعر به سببه سحر أو عين، أو أن يمنعك من مراجعة الطبيب عندما تحتاج إليه.

كيف تعرف أنك تسير في الطريق الصحيح؟

اسأل نفسك سؤالًا بسيطًا:

هل ما أفعله يجعلني أقرب إلى الله أم أكثر خوفًا من الناس؟

إذا أصبحت أكثر محافظة على القرآن والأذكار والدعاء، وأكثر طمأنينة ويقينًا بالله، فهذا هو الطريق الذي نريده.

أما إذا أصبحت حياتك كلها بحثًا عن السحر، ومراقبة للجن، وشكًا في الناس، وانتقالًا من شخص إلى آخر بحثًا عمن يخبرك بما يحدث لك، فراجع الطريق الذي تسير فيه.

فالمؤمن لا ينبغي أن يعيش حياته مطاردًا بالأوهام.

كلمة أخيرة لكل من يبحث عن الشفاء

أخي الكريم.. أختي الكريمة،

إذا كنت تمر بوقت صعب، فأنا لا أقلل من معاناتك، ولا أطلب منك أن تتجاهل ما تشعر به.

ولكنني أقول لك:

لا تسمح لأحد أن يستغل معاناتك ليزرع الخوف في قلبك.

ارجع إلى القرآن.

حافظ على أذكارك.

ادعُ الله كثيرًا.

خذ بالأسباب.

استشر أهل العلم فيما أشكل عليك، وراجع أهل الاختصاص فيما يحتاج إلى تخصص.

ولا تجعل حياتك تتوقف بحثًا عمن أصابك أو لماذا أصابك.

إن كان هناك شيء أريد أن يصل إليك من هذه الكلمات، فهو أن الرقية الشرعية ينبغي أن تعيدك إلى الله، لا أن تجعلك أسيرًا لراقي أو خائفًا من الناس.

هدفنا أن نعيد الناس إلى الأصل.. إلى القرآن، والدعاء، واليقين.

فتمسك بكتاب الله، وحافظ على ما ثبت من أذكار النبي صلى الله عليه وسلم، واجعل ثقتك بالله أكبر من خوفك من أي شيء.

والله سبحانه وتعالى هو الحافظ، وهو الشافي، وهو أرحم بعباده.

الشيخ أحمد مدكور
باحث في علوم الرقية الشرعية والعقيدة

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *