في وقتٍ تتداخل فيه المفاهيم وتتداخل فيه الرؤى بين المعتقدات الدينية، والرعاية النفسية، والطب الحديث، يأتي كتاب «الرقية بين حقيقة الماضي وتزييف الحاضر وخطورة المستقبل» لفضيلة الشيخ أحمد مدكور (والصادر عن دار اللؤلؤة للنشر والتوزيع) ليمثل شمعة وعي تضيء المساحة الفاصلة بين الممارسة الشرعية البسيطة والنقية، وبين أساليب الدجل والتكسب التي تسللت إليها عبر العقود.

يقدم المؤلف في هذا العمل دراسة هادئة وعميقة تتناول ظاهرة الرقية من زوايا متعددة، مفرّقاً بوضوح بين الجوهر الشرعي والممارسات الدخيلة.
رحلة في أبعاد الكتاب: كيف قرأ المؤلف الظاهرة؟
تتنقل صفحات الكتاب عبر ثلاثة محاور زمنية وفكرية تشكل هيكل هذه الأطروحة:

1. أصالة الماضي (المنهج والشرع)
يعود بنا Sheikh أحمد مدكور إلى الجذور الأولى، مستعرضاً كيف مارس النبي ﷺ والسلف الصالح الرقية. ويُظهر كيف كانت تجسيداً للجوء الإيماني الصادق والدعاء النقي بكلام الله والمأثور من الأدعية، بعيداً عن التعقيد، أو التكلف، أو اتخاذها حرفة للتكسّب والهالة الإعلامية.
2. واقع الحاضر (التشخيص والمواجهة)
يمثل هذا الفصل النبض الحي للكتاب؛ حيث يناقش المؤلف بكل جرأة وتحضّر الأخطاء المعاصرة. يفكك الشيخ مدكور الأساليب التي يعتمدها البعض للتأثير على البسطاء، وكيف تحولت هذه الممارسة لدى البعض من “سُنة متبعة” إلى “صناعة تجارية” تستغل لحظات الضعف النفسي والحاجة لدى المرضى.
3. خطورة المستقبل (الوعي والمسؤولية)
لا يكتفي الكتاب بتشخيص الواقع، بل يمتد ليرسم رؤية استشرافية تحذر من تبعات استمرار هذه الخرافات. ويؤكد المؤلف أن الخطر الحقيقي يكمن في تعطيل العقل البشري، وإبعاد الناس عن الأخذ بالأسباب الطبية والتطبيب الحديث، مما يخلق جفوة غير مبررة بين الدين والعلم.
ملامح الطرح وأسلوب الكاتب
- الجمع بين النص والعقل: يجمع المؤلف بين التخصص الشرعي والفهم الواعي لمتطلبات العصر ومستجداته.
- الشفافية والوضوح: يمتاز الأسلوب بالصراحة والوضوح دون مواربة في تسمية الأخطاء والممارسات الخاطئة بأسمائها.
- الاعتدال والوسطية: ينتهج الكتاب مساراً متوازناً؛ فلا يلغي الرقية الشرعية بمفهومها الصحيح، ولا يبرر الممارسات العشوائية المتفشية.
ختاماً: خطوة نحو حماية الفكر والوعي
يمثل كتاب «الرقية بين حقيقة الماضي وتزييف الحاضر وخطورة المستقبل» إسهاماً فكرياً يهدف إلى حماية الوعي المجتمعي وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح. إنه دعوة صادقة للاعتدال، والأخذ بالأسباب، والتمييز بين الإيمان الصاف والادعاء التجاري.










Leave a Reply